"لا إسم لي. أنا مثلُ نسيم الجبال العليل. لا ملجأ لي. أنا مثلُ المياه المتدفقة. لا كتب مقدسة لي، ولست في البخور المتصاعد من المذابح ولا في أناشيد الطقوس. لست مُحاصرا بالنظريات ولا مُفسَدا بالمعتقدات، ولا موثوقا بسلاسل الأديان، ولست في الأعلى ولست في الأسفل. أنا العاشق إذا عشقت. أنا حر وأغنيتي هي أغنية النهر المتدفق على هواه مناديا المحيطات المفتوحة: أنا الحياة" (كريشنامورتي)


onwrapper">"http://www.rationnel.blogspot.com/
مدونة ضد التطرف : النص التأسيسي


آسف على الإزعاج

كتبهابدر السلام ، في 15 مارس 2009 الساعة: 18:52 م

 

آسف على الإزعاج

أول فيلم مصري يقتبس بنجاح..

 

بدر السلام الطرابلسي*

آسف على الإزعاج أحد الأفلام الذي يمكن اعتباره خارجا عن المألوف السينمائي المصري لارتقائه إلى حدود الأعمال الإبداعية العالمية فكرة وسيناريو وإخراج وتمثيل لولا علمنا المسبق بأنه مستنسخ، إذ غضضنا الطرف طبعا على بعض الجزئيات والأحداث التي لاءمها السيناريست أيمن بهجت قمر مع النص المصري ليتمايز بها عن السيناريو الأمريكي لفيلم " أجمل عقل " Beautiful Mind .

راسل كراو في فيلم " أجمل عقل " Beautiful Mind يجسد دور المريض الفصامي( سكيزوفران) وكذا الأمر بالنسبة لأحمد حلمي في آسف على الازعاج كما يتمتع البطلان بالعبقرية والذكاء فالأول يتحصل على جائزة نوبل والثاني ينجح في ترويج مشروعه لتطوير محرك الطائرة هذا إضافة إلى مرور كليهما بفترة العلاج الإكلينيكي وعدم شفائهما لعودة الشخصيات الوهمية التي صاحبتهما طوال مرحلة المرض.

بالمقابل، فإن نقل فكرة الفيلم الأمريكي في هذا العمل الفني المصري لا يعني أنه لا يتمتع بخاصيات سينمائية فارقة سواء على مستوى الإخراج أو على مستوى أداء الممثلين.

ولكن قبل أن نتعمق أكثر في تحليل هذا العمل الفني والغوص في عمق أبعاده الدرامية والسيكولوجية وأداء أبطاله دعنا نبسط فكرة الفيلم حتى يكون لكلامنا معنى وتحليلنا جدوى.

تدور أحداث الفيلم حول المهندس حسن – أحمد حلمي- الذي يعمل في شركة طيران ومرتبط كثيرا بوالده « محمود حميدة »الطيار والمتأثر به كثيرا حيث يستشيره في عديد الأمور بما فيها إعجابه بفتاة المطعم « منة شلبي « التي يعيش معها قصة غرام . حسن شخصية مركبة ومتقوقعة على ذاتها وتعاني من فوبيا الاضطهاد والمعاملة السيئة من الآخرين. يقع فصله من العمل بسبب عدم امتثاله لأوامر المشرف عليه في العمل ويكتشف أنه مريض بفصام وبأن والده غير موجود أصلا والفتاة التي عاش معها قصة حب ليست سوى تهيئات فتقرر أمه « دلال عبد العزيز » أخذه لمصحة نفسية ليتعالج فيها وبعد امتثاله للشفاء يخرج من المصحة ويعلن حبه لفتاة المطعم ولكن بشكل حقيقي هذه المرة ويطلبها للزواج و ينجح في تنفيذ مشروعه في ورشة العمل إلا أنه وبعد عدة سنوات تعوده تلك الحالة المرضية…

هذا إذا موجز القصة التي لمسناها عبر هذا الفيلم. ولنا الآن أن ندلو من معانيه والإشكالات التي طرحها قدر الإمكان ..

ثلث الفيلم الأول عشنا فيه مع حسن « أحمد حلمي »غرابة المجتمع فالآخرون مزعجون..مثرثرون..متأخرون يمتهنون الألم ويعرقلون سير نماء العبقرية « مشهد رئيسه المباشر في العمل وهو يجبره على الإجازة من العمل ثم يعلمه بعدها بفترة بقرار إيقافه عن العمل »وفي هذا المقام الدرامي تبرز الحبكة الفنية وتضخم الأداء الفني للمبدع أحمد حلمي الذي استطاع أن يجعلنا نحس ما يحسه المهندس حسن ونرى ما يراه ونلعن الظروف التي تهمش الذات الإنسانية لنخلص في نهاية نفق الاضطهاد والإزعاج إلى النتيجة الوجودية السارترية « الآخر هو الجحيم » .

إن السلوكات العدوانية وغير الطبيعية للآخرين جعلت حسن يرى أنه السوي والبقية مرضى أو هكذا أريد لنا أن نفهمه ونعيش معه هذا الإحساس من قبل السيناريست أحمد بهجت قمر وقد نجح المخرج خالد مرعي والممثل أحمد حلمي في تشريك المهندس حسن لنا هذ الرؤية إلى حد بعيد وهي تقنية ذكية ومتطورة تحسب لهم جميعا وتقطع مع السائد السينمائي المصري الذي عالج دراميا الحالات النفسية المرضية والتي غالبا ما تكشف عن هويتها منذ بداية الفيلم.

وإذا ذهبنا بعيد في هذا الجزء من الفيلم نلحظ نوع من السير غير الطبيعي للأحداث نلمسه في المشهد الذي وقف فيه حسن مع مفيدة )فتاة أحلامه( لأول مرة عندما لحقت به خارج المطعم لتستفسره عن المتحيل الذي نهب منها خمسة عشر ألف جنيه مصري وبمرور أحدهم بجانبه بقي يتثبته بغرابة مما استفز حسن وجعله ينهره مستغربا من فعله، كما نلحظه في المشهد الذي كان فيه صحبة والده )محمود حميدة( يعد قهوة وحينما عرض عليه البعض منها رفض تناولها..الخ، وهو ما يمهد للأحداث التالية في الجزء الثاني من الفيلم ويزيد في جرعة التشويق لمعرفة سر الغموض المحيط بهذه المواقف..

الثلث الثاني من الفيلم عبارة على قنطرة عبور لانفراج الأحداث السعيد والدراماتيكي في الآن ذاته. فبعد تقديم الإطار العام للأحداث، كدأب السيناريوهات الكلاسيكية، يتحول بنا بهجت قمر، على غرار السيناريو الأمريكي لفيلم « أجمل عقل » إلى تطورات متصاعدة في الحبكة الدرامية للفيلم حيث يوجد التعقيد النابع من الصراع المزدوج الذي يعيشه البطل سواء أكان بينه وبين أناه عندما بدأ يكتشف مرضه وعدم قبوله بالحقيقة الجديدة بأنه فصامي ويرى شخوصا وهمية أو أنه يجري حوارات مع باقي الشخوص مختلفة تماما ، في غالب الأحيان، عن الحوارات التي يعتقد في أنه أجراها من ذلك مشهد المطعم وهو جالس على طاولته يشتغل على حاسوبه المحمول وتخيله بأن النادل يأتي من خلفه ويضربه على قفاه فيسجل اللقطة بكاميرا حاسوبه ويعيد مشاهدتها ليكتشف أن النادل لم يلمسه أبدا ولقطات أخرى يسجلها بكاميرا جواله ليكتشف فيما بعد حوارات مختلفة عما كان أجراها أول مرة..من هنا تبدأ تمظهرات الأزمة تطفو على سطح الأحداث ويتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود..و يتسارع نسق التطورات ولحظات الكشف والصدمة إلى أن يتبين له بالكاشف في الثلث الأخير من الفيلم حقيقة مرضه في مواقف تراجيدية بامتياز أبدع الممثل أحمد حلمي صحبة باقي الشخصيات في التعبير عنها ونخص بالذكر هنا ثلاث مشاهد رئيسية الأول الذي يجمع بين أحمد حلمي ووالدته دلال عبد العزيز ووالده محمود حميدة عندما تصارحه والدته أن والده الذي نراه يتعامل معه طوال الثلثين الأولين مات فيختفي الأب من الصورة وتظهر لنا الميزة المعتادة لمريض السيكيزوفران في موقع المدافع عن الوهم والمتمسك بالتهيئات العدمية من خلال مخاطبته لوالده برغم تأكيد أمه له بأنه غير موجود ، الصدمة كانت قوية ليس للمهندس حسن فقط وإنما أيضا للجمهور ، يليه مشهد آخر لا يقل تأثيرا عن الأول عندما كان بصحبة أبيه في مكتبه، وعلى عكس لقاءاته السابقة به لم يعره الاهتمام المعتاد وقام بالترفيع في صوت الأغنية الأجنبية» لا تتكلم « don’t speak) ( لينخفض معها صوت الأب )الوهمي( ويمرر لنا المخرج خالد مرعي مقطع الأغنية المتلائم تماما مع تلك الوضعية:

"You and me
We used to be together
Everyday together always
I really feel
That I’m losing my best friend
I can’t believe
This could be the end

اختيار موسيقي ذكي من المخرج خالد مرعي عبر من خلاله عن حدة الألم التي عصفت بالمهندس حسن لاكتشافه بأن ملجأه وقت الشدائد قد انهار..وقد أبدع الممثل محمود حميد حقيقة في تجسيده بنبرات صوته و نظراته القوية رغم الهزيمة التي حاقت به لاكتشافه بأن وجوده في حياة ابنه ذاهب للزوال..

والمشهد الثالث عندما كان بصدد تصفح صوره مع مفيدة ) منة شلبي(5 التي التقطها عندما كانا بصحبتها في رحلة العين السخنة ليكتشف أنها خالية من وجود مفيدة تماما وأنها كانت مجرد تهيئات..

جسد إذن المشهد الأول والثاني والثالث ذروة الدراما التي وصل إليها الفيلم، وقد أثبت فيها أحمد حلمي ودلال عبد العزيز موهبة خلاقة استنهضت قواها الداخلية لتقدم لنا لوحة فنية قليل تواترها في السينما المصرية ..لنخلص منها إلى انفرجات شتى لعل أهما قبوله العلاج في مصحة نفسية وحضوره لجلسات السيكوترابي وتناوله الأدوية وبعد شفائه )المنقوص( تزوج من مفيدة بعد مصارحته بحبه لها إلا إن النهاية السعيدة تبقى منقوصة لعودة السكيزوفران وان كان قد تحسن بعد العلاج بشكل ملحوظ..

ولا يفوتنا في سياق الحديث عن العلاج الإكلينيكي الذي خضع له أن نتحدث عن المشهد الأول في المستشفى عندما جلس بجانب والده محمود حميدة على الأريكة وسط حديقة المستشفى واضعا يديه فوق بعضهما ومائلا برأسه لوالده محدقا أمامه يستجلي معاني لا يفهمها إلا المريض الفصامي..وهذا يعتبر دليلا آخر على أن السكيزوفران يمكن لهم أن يحسوا أو يسمعوا أو يرو أحدا آخر جالسا بجانبهم دون أن يتسنى للإنسان السوي أن يراه..

خلاصة القول..

وان كان فيلم آسف على الإزعاج مقتبس عن الفيلم الأمريكي « أجمل عقل » Beautiful Mind في فكرته وكثير الشبه بالسينما الهوليودية في تقنياته الإخراجية التي نلمسها في عديد المشاهد واللقطات والصور من ذلك المشهد الذي يركب فيه أحمد حلمي على دراجته النارية الكبيرة رفقة حبيبته )مفيدة( منة شلبي على الطريق للعينة السخنة أو الصورة التي بدأ بها الفيلم حينما دخل المهندس حسن )أحمد حلمي( لورشة مراجعة محركات الطائرات..الخ ولولا المشاهد التي صورت على أحد المقاهي الشعبية ودارت فيها حوارات بين البطل وصديق المقهى الممثل محمد شرف حول البطالة والفقر والتهميش لما أمكن التعرف على هوية الفيلم الثقافية والحضارية والاجتماعية..إذا قلنا برغم الاقتباس والتقليد المفرط للسينما الأمريكية في الكثير من المشاهد والصور فإن الفيلم يعتبر تحفة فنية تم من خلالها معالجة ظاهرة السكيزوفرانيا معالجة درامية سبرت أغوار هذه الحالة السيكولوجية بأدوات فنية متقدمة أبدع المخرج خالد مرعي في توظيفها..

هذا إضافة للأداء الدرامي الجديد والمتميز للمبدع أحمد حلمي الذي لم يعودنا به في أعماله الفنية السابقة التي اتسمت بكوميديا هادئة ومتناسقة تقدم بها على سلفه من رواد الكوميديا المصرية وتمايز بها عن معاصريه من هواة التهريج و تدوير) الوسط ( ، دون أن ننسى كذلك أن فيلم آسف على الإزعاج كان بمثابة المسبار الذي كشف عن الموهبة الحقيقية لبعض الممثلين وهنا نخص بالذكر محمد شرف و دلال عبد العزيز أما محمود حميدة فقد أثبت بأنه ليس مجرد أب المهندس حسن فقط بل أب السينما المصرية الراهنة..

ناقد من تونس

المصدر: القدس العربي بتاريخ 26 / 02 / 2009

ركن أدب وفن

www.alquds.co.uk:9090/pdf/2009/02/02-26/qad.pd

الرابط:

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب سينما فن, ثقافة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر