الخطاب الأول:
المعاني و الدلالات
بدأ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله خطابه بـ التبريك و التعزية و التحية لـعوائل الشهداء وأهالي الصامدين و للـ للمقاومين و المجاهدين على خط المواجهة مع العدو الإسرائيلي ثم انتقل بعد ذلك لتوجيه عدة رسائل إعلامية لكل من الشعب اللبناني و المقاومين و الصهاينة والحكام العرب.
جاءت التحية التي افتتح بها خطابه و الرسائل الإعلامية التي وجهها جميعا للمتلقين على اختلاف جنسياتهم و انتماءاتهم السياسة وهوياتهم الثقافية مليئة بالمعاني والدلالات التي وظفها من اجل تعبئة مناصريه وإقناع أعدائه بسلامة موقفه وخطأ توجهاتهم.
سنحاول في التحليل التالي استخراج هذه المعاني والدلالات المعلنة وغير المعلنة اعتمادا على المعاجم التي استعمالها في خطابه ونسبتها من عينة المعاجم الكلية بالإضافة إلى نظام البرهنة والآليات الحجاجية التي وظفها للدعاية إلى موقفه من الصراع الدائر رحاها على الحدود اللبنانية.
دلالات التحية
وظف حسن نصر الله عدة معاجم ومرجعيات داخل الخطاب الأول نذكر من بينها المرجعية الدينية (10.45% ) والمرجعية الأخلاقية (30.45 % ) من جملة المرجعيات التي استعملها.
كما نتبين أن لهذين المرجعيتين حضور بارز في مقدمة الخطاب وتحديدا في التحية التي توجه بها لأهالي الشهداء والجرحى و لإخوانه المقاومين و المجاهدين، ومن ثمة فإن هذه التحية لا تقتصر على مجرد رفع معنويات عوائل الشهداء وتعزيتهم فيما أصابهم و التبريك لهم لحصول أبنائهم على الشهادة في الحرب وتثمين ما قدموه للمقاومة من دعم مادي ومعنوي، بل إنها تتجاوز هذا الطقس الروحاني و الإخواني و التضامني إلى غايات أبعد وأشمل يمكن اختزالها في منطق التشريك والمشاطرة: تشريكهم تحمل مسؤولية المقاومة و الجهاد وما ينجر عنها من آلام و خسائر في الأرواح و البنية التحتية. وإن السياق الزمني الذي جاء فيه الخطاب وافتتاحه إياه بذكره لعملية الوعد الصادق التي اختطف خلالها حزب الله اللبناني اثنين من الجنود الإسرائيليين المتواجدين شمال فلسطين المحتلة من أجل إطلاق الأسير اللبناني المتبقي داخل السجون الإسرائيلية يدل على تشريكهم في تحمل تبعات القرار السياسي الذي اتخذه في هذا الشأن سواء كانت إيجابية ( النصر ) أو سلبية ( الخسارة ) في الحرب المعلنة.
وفي ذات السياق، نوه نصر الله بالاستعداد للــ التضحية عند المقاومين وأهاليهم من أجل نيل الهدف المرتقب (تحرير الأرض والأسرى ) وهي تعتبر آلية خطابية كلاسيكية ولها تأثير أساسي في الخطاب السياسي من حيث أنها تضخم الانجازات وتصبغها بطابع قدسي ( إخواني المجاهدين، المحتسبين، يؤمنون، راسخون في إيمانهم..). وهو إن دل على شيء فهو يدل على درجة الخيال السياسي (41)التي بلغها زعيم حزب الله من أجل تبرير منطق الصمود والمرابطة أمام التدمير اليومي للبنان والقتل المتواصل للمدنيين العزل.
هنالك عبارة ختم بها السيد حسن نصر الله حديثه عن التضحية في الفقرة الثانية من الخطاب وهي ...والذين كانوا ومازالوا يحملون دماءهم على الأكف ورؤوسهم شامخة ، هذه العبارة توحي لنا بالمدى الذي وصل له السيد حسن في تمجيده للتضحية والدعاية لها لتتحول من آلية للتحرير إلى غائية نرجسية مستبطنة لها أبعاد مرضية (42) يمكن لعلماء
النفس أن يدلوا في تحليلها في إطار تأويل شخصية هذا الزعيم أكثر منا. كما أن للخلفية
الثقافية والطائفية لهذا الزعيم ولتنظيمه وللشيعة عموما تأثير منظور في هذا التوجه الميتافيزيقي في الخطابة التي تنظر لفلسفة الموت والعلل الكامنة وراءها وأهمها الإحساس بالذنب لعدم نصرة الحسين بن علي وإلا فما معنى أن يحملون دماءهم على الأكف ورؤوسهم شامخة .
معاني الرسالة التي وجهها للشعب اللبناني
ارتكز نصر الله في كلمته الأولى التي وجهها للشعب اللبناني على المرجعية السياسية التي تواترت كثيرا في هذا المستوى من الخطاب ( الشعب اللبناني، الأشقاء العرب، الصراع مع العدو، تصفية حسابات.. ). هذا ويمثل المعجم السياسي في الخطاب الأول ما نسبته 33.63 % من باقي المعاجم والمرجعيات المستعملة في هذا الخطاب.
يأتي هذا التوظيف للمرجعية السياسية في سياق تعديده للصفات الايجابية للشعب اللبناني فهو شعبنا العزيز ، و احتضن المقاومة ، و صنع أول انتصار عربي ، و .. ألحق الهزيمة التاريخية بهذا الكيان المعتدي .
لم يقم نصر الله بتعديد صفات الشعب اللبناني الايجابية بقدر ما أراد إثبات ملامح العدو السلبية فهو في ما يقابل الشرف و العزة و الكرامة يقوم بالاعتداء على الشعب اللبناني ويغتصب أرضه ويصفي معه حسابات قديمة.
يبني هذا التوجه في الخطابة على تصادم الإرادات والنوايا بين العرب المسلمين من جهة وما يتميزون به من شرف وعزة وكرامة و شجاعة و خير بشكل عام و اليهود الصهاينة و ما يعرف عليهم من الانتقام و الاغتصاب للحقوق والاعتداءات المدمرة على الأبرياء و الــ شر بشكل عام. هذا التوجه هو انعكاس للخلفية الحضارية والثقافية للشيعة التي تنهل من النظرية المانوية وهي أسطورة دينية قديمة ( فترة ما قبل ولادة المسيح ) ظهرت في الحضارة الفارسية القديمة تحديدا و تقسم العالم إلى ثنائية: القسم الأول من هذه الثنائية يحكمه إلاه الخير و القسم الثاني يحكمه إلاه الشر ويتصارع الطرفان إلى أن ينتصر الخير في النهاية.
كما أن تعديد الصفات الحسنة للبنانيين مقابل الملامح السلبية للإسرائيليين يهدف للوصول إلى غايتين: أولا أن رد الفعل العدو الصهيوني على عملية الأسر ليس برد فعل طبيعي لأية دولة تم أسر جنودها وإنما هو تصفية حسابات مع الشعب والمقاومة والدولة والجيش والقوى السياسية والمناطق والقرى والعائلات التي ألحقت الهزيمة التاريخية بهذا الكيان المعتدي الغاصب... ، إن تملص حزب الله من مسؤولية ما أنتجته عملية الأسر من رد فعل عنيف و همجي للجيش الإسرائيلي وقرنها بطبيعة العدو المعتدية والمغتصبة و التوسعية لهو منحى في الخطابة يريد من خلاله نصر الله تحميل مسؤولية هذه الحرب كاملة لإسرائيل و التجلبب في عباءة المضحي و الصابر على الاعتداء و المجاهد ، الشريف الذي يضحي بالغالي والنفيس من أجل وباسم وطنه و الدولة وباقي القوى السياسية اللبنانية.
ثانيا أن الهجمات الحربية التي تشنها إسرائيل لن تقتصر على حزب الله فقط بل إنها ستشمل جميع لبنان من حكومة ومكونات سياسية و شعب بمختلف طوائفه، وذلك لإثبات وحدة المصير عند مختلف اللبنانيين وترسيخ نوع من الشراكة بين الأطراف المتعددة مهما اختلفت انتماءاتهم.
بناءا على ما سبق، خير نصر الله اللبنانيين ( دولة، جيش، مقاومة، قوى سياسية..) بين أمرين، فإما الخضوع لشروط العدو الصهيوني وبتأييد و دعم أمريكي و دولي و للأسف عربي والدخول في العصر و الهيمنة الإسرائيلية وإما الصمود والثقة في قدراته و في استعدادات مقاتليه ومساندته في هذه الحرب، وهو ذات المنطق الذي يقسم الأشياء إلى خيرة و شريرة فإما أن تكون معه و تشاطره الحقيقة والشجاعة والجهاد والوطنية وإما أن تكون ضده وتشاطر أعداءه تآمرهم وخيانتهم وخطأهم وعمالتهم وجبنهم.
دلالات الكلمة التي وجهها للمقاومين
بعد أن قام بتعديد صفات المقاومين معتمدا في ذلك على معجم قيمي ثري ( الشجاعة، الشهامة، الشرف..) للإعلاء من قيمة المقاومة التي تعتبر محل رهان كل لبناني وكل فلسطيني وكل عربي وكل مسلم وكل حر وشريف (....) وكل مظلوم ومستضعف ومعذب ...، وهي التي ستخلصهم من هذا العدو من خلال وجودها في ساحات المواجهة ومن خلال قتالها لهذا العدو قتال الشجعان الأبطال وهو ما يعيد إلى أذهاننا أسطورة المهدي المنتظر الذي سيخرج من مخبئه ليملأ الدنيا عدلا و خير بعد أن امتلأت بالجور والظلم.
إلى ذلك، كرر في هذه الكلمة رواية انتصار 25 أيار 2000 ( انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ) التي سبق وذكرها مرتين في الكلمة التي توجه بها للشعب اللبناني، ولكن في سياق آخر ينأى به عن الخطأ المنهجي و اللغوي ويسعى من خلاله إلى التأكيد على أنه الوحيد القادر على قيادتهم إلى الانتصار في الحرب الدائرة رحاها جنوب لبنان وإنقاذهم من براثن الأعداء الصهاينة وتخليصهم من شرورهم .
دلالات الكلمة التي وجهها إلى الصهاينة
اعتمد زعيم تنظيم حزب الله في كلمته التي وجهها إلى الصهاينة على الدعاية المضادة للخصم العدو الإسرائيلي وذلك بدحض ادعاءاته وفضح أكاذيبه والتشهير به إذ يصف قيادته بأنها ..حمقاء وغبية ولا تعرف تقدير الأمور وليست لها تجربة على هذا الصعيد ويدعم كلامه باستطلاعات الرأي الإسرائيلية التي حسب رأيه تصب في حسابه إنكم تصدقونني أكثر مما تصدقون مسئوليكم وهي تعتبر نقطة ضعف عند خصومه ونقطة قوة عند ظهرانيه.
هذا وينتقل من لغة السخرية والهزل من عدوه إلى لغة الترهيب والوعيد والتهديد وتظهر بالخصوص في العبارات التالية: إذا ضربتم بيروت سنضرب حيفا ، نحن
ذاهبون إلى الحرب المفتوحة.. حربا على كل صعيد ، إلى حيفا وصدقوني إلى ما بعد حيفا وإلى ما بعد حيفا ( انظر كتاب تغيير قواعد اللعبة بين إسرائيل وحزب الله ).
وظف نصر الله في الفقرة الأخيرة من الكلمة التي وجهها للصهاينة المرجعية الشيعية* أبناء محمد وعلي والحسن و الحسين وأهل بيت رسول الله .. للتدليل على الانتماء الطائفي للمقاومة – وإن أراد في بعض الأحيان أن يظهر فوق الطائفية والطوائف. هذا بالإضافة إلى تعديد مناقبها وخصالها وتفردها عن باقي الطوائف الأخرى الموجودة في لبنان بما أنها الوحيدة التي تصدت لإسرائيل وذادت على حياض وحرمة لبنان واستقلاله تجاه الهجمة العدوانية لإسرائيل، وهي كذلك التي حررته من الاحتلال الصهيوني سنة 2000.
دلالات الكلمة التي وجهها إلى الحكام العرب
علق السيد حسن نصر الله في كلمته التي وجهها للحكام العرب على مواقفهم الناقدة لــ عملية الوعد الصادق (43) ووظف في ذلك مفردات من المعجم التاريخي ( تاريخكم، عام 1982، يوم من الأيام...) حتى يدلل على تداعي مواقفهم من هذه العملية إذ سبق وأن وصفوا مقاومة حزب الله سنة 1982 بالجنون والمغامرتية في عام 1982 قلتم عنا وقال العالم أننا مجانين.. إلا أنهم أثبتوا أنهم العقلاء و لم يجروا لبلادهم سوى النصر والحرية والتحرير والشرف والكرامة والرأس المرفوع كما قالوا أن هذه المقاومة هي عبارة عن مجموعة من المجانين وأثبتوا أنهم العقلاء .
أراد نصر الله من خلال هذه الرسالة السياسية الإعلامية أن يرد على الانتقادات التي وجهتها مصر والأردن والعربية السعودية في بداية الحرب الإسرائيلية ضد لبنان على الخطوة التي أقدم عليها حزب الله بأسره للجنديين الإسرائيليين باعتبارها خطوة متسرعة و في غير محلها وستجلب الويلات للبنانيين.
وهكذا نستخلص من جملة الرسائل الإعلامية السياسية التي وجهها حسن نصر الله للشعب اللبناني والمقاومة والصهاينة والحكام العرب أنها جاءت: أولا، من الناحية البنيوية والتركيبية والمنهجية ثرية بالمرجعيات والمعاجم المختلفة (سياسية، أخلاقية، دينية، تاريخية..)، وبالآليات والأدوات الخطابية المتعددة، ثانيا، نجد أنها احتوت على العديد من المعاني والدلالات والأبعاد التي تصب في خانة الانتصار للمقاومة وتبرير عملية الأسر من ناحية و تقزيم العدو وشيطنته وتخوين كل من ينتقد توجهه واعتباره يصب في صالح العدو من ناحية أخرى.
ففي هذه الحرب كان حزب الله يواجه معارضات مختلفة وأعداء كثر من الأحزاب والطوائف اللبنانية الأخرى والدول العربية والغربية وأساسا إسرائيل وهذا ما يفسر تشديده على وضع الضحية وعلى أنه انتصر في الحرب
المصادر
(41)- د. رجاء بن سلامة، نحن وحزب الله والهذيان التبشيري، موقع شفاف الشرق الأوسط، 1 أوت 2006.
(42)- المصدر السابق.
(43)- عملية الوعد الصادق: الوعد الصادق هي عملية هدفها الإيفاء بوعد قطعته المقاومة الإسلامية اللبنانية حزب الله على نفسها لتحرير أسرى و معتقلين لبنانيين في سجون إسرائيل. حيث تم أسر جنديين إسرائيليين عند الحدود اللبنانية-الفلسطينية المحتلة من قبل إسرائيل في 13 جويلية/ يوليو 2006 و أخذهم لمكان غير معلوم بقصد المساومة بهم بأسرى لبنانيين أشهرهم سمير قنطار الذي اعتقل عام 1979, و مجندين و مدني آخرين. أسوة بالمساومات على الأسرى التي تمت بين إسرائيل و فلسطين مرارا, ولكن بعد هذا الحدث مباشرة ارتكبت إسرائيل عدوانها الحربي الشامل على جنوب لبنان و استهدفت المدن اللبنانية بغض النظر عن محتواها العسكري من وجوده أو عدمه. --- المصدر، ويكابيديا:الموسوعة الحرة، ar.wikipedia.org
كتبها بدر السلام في 03:15 مساءً ::

الاسم: بدر السلام





